أثرى أغنياء العالم يصبحون أكثر كرما وسخاء من السابق
في ظل انتشار «موضـة» التبرعـات الضخمة
رغم كل مآسي العالم فهناك ظاهرة جديدة جديرة بالاهتمام تتعلق بأثرى أثرياء الكرة الأرضية. فهم ـ صدق أو لا تصدق ـ أصبحوا أكثر كرماً من ذي قبل. والسبب غير معروف. فربما يكون احساساً صادقاً بالكرم أو موضة ابتدعها قلة منهم... فراح الباقون يقلدونهم. ولكن ما يهمنا في هذا المقال هو رصد الظاهرة في حد ذاتها، وترك تفسيرها لاجتهاد المجتهدين.
وتجدر الاشارة أولا الى أن مفهوم الكرم الذي صاحب الظاهرة الجديدة يختلف قليلا عن المفهوم القديم. فالكرم الجديد الذي يُسمى بالانجليزيةPhilanthropy يختلف عن الكرم التقليدي Charity في كونه لا يتبرع بصدقة للمحتاجين، بل يتبرع لمنظمات تسعى لحل جذور المشكلة وليس عوارضها ـ على سبيل المثال، دعم منظمة لتعليم أبناء الفقراء بدلا منح أسرهم صدقة، أو دعم كليات الطب والتمريض في بلدٍ ما بدلا من إرسال العقاقير إليه. ويرى العديد من الاقتصاديين أن تطور ما يسمونه «الكرم الذكي» سيصبح صناعة كاملة مع اتساع سلطة وثروة القطاع الخاص حول العالم. وقد تبدو الظاهرة الجديدة واضحة في المقارنة التالية: بيل غيتس، صاحب شركة مايكروسوفت وأغنى رجل في العالم، تبرع بما مجموعه 31 مليار دولار (اي 31000 مليون دولار) ليصبح أكبر متبرع في العالم، في حين كان صاحب هذا اللقب في الماضي جون روكفيلور الذي بلغت تبرعاته ما يعادل 6 مليارات بحساب قيمة الدولار اليوم. ولا ننسى هنا أن غيتس لا يزال في منتصف عمره وأن تبرعاته ستزداد كثيرا مع الوقت. ولكن حتى بيل غيتس نفسه ومعه كثيرون آخرون لم يبدأوا «التنافس» على التبرعات الكبيرة الا في السنوات الثماني الماضية. فحتى عام 1998 كانوا حريصين على ثرواتهم ويتبرعون فقط بقدر ما يعفيهم من جزء من دفع الضرائب.
وحسب قائمة أثرى أثرياء العالم التي نشرتها مجلة «فوربز» في 2005 فإن العالم اليوم يحتوي على 691 مليارديراً مقارنة بـ 423 مليارديرا في عام 1996، أي بزيادة نسبتها 63% خلال عقد واحد. ويبدو أن عددا من الجيل الجديد من المليارديرات الذين جمعوا ثروات طائلة في مجال التكنولوجيا قرروا أن يحذوا حذو بيل غيتس. فمثلا، بير أوميديار مؤسس موقع eBay الشهير، ومديره التنفيذي جيف سكوول، وكذلك مؤسسا موقع Google سيرجي برين ولاري بيج، وأيضا غوردون موور صاحب شركة Intel قد تبرعوا جميعاً بمئات الملايين من ثرواتهم الخاصة لتحسين وضع العالم وحل بعض مشاكله الكبرى. وتقول كاثرين فولتون، التي أعدت كتاباً عن ظاهرة الكرم الجديدة، لمجلة الإكونوميست: بالطبع ليس كل الأثرياء كرماء. فما زال منهم من يتحفظ على ثروته، كما ما زال منهم من يتبرع بغير ذكاء أو يتبرع لقضايا تافهة وذات مصلحة شخصية.
لكن في المقابل فهناك أمثال بيل غيتس وزوجته «ميليندا»، حيث تذهب غالبية تبرعاتهما الى جمعيات ومنظمات خيرية تهتم بالمشاكل الصحية والتعليمية بين الفقراء. كما يخصص مليارديرات التكنولوجيا الحديثة مليارات الدولارات لتطوير تقنيات جديدة تستطيع المساهمة في تخفيف معاناة البشرية من الكوارث الطبيعية والأمراض الوبائية مثل الايدز ومشاكل البيئة والاحتباس الحراري ونزوح اللاجئين بأعداد ضخمة.
ويعتقد العديد من المراقبين ان من العوامل التي ساعدت في نمو هذه الظاهرة اهتمام الإعلام بها، بحيث أصبح الملياردير البخيل يتلقى تصنيفا وتقديراً أقل درجة من نظرائه الكرماء. وعلى سبيل المثال اعدت مجلة «بزنيس ويك» قائمة بأكبر المتبرعين خلال الأعوام الخمسة الماضية والتي جاء على رأسها «غوردون موور» صاحب شركة Intel للكومبيوتر وزوجته «بايتي» ليتفوقا قليلا على «غيتس» وزوجته «ميلندا» اللذين احرزا المرتبة الثانية، لكنهما بالطبع يحتلان المرتبة الأولى بحساب إجمالي تبرعاتهما عبر السنين. وفي المقابل قالت المجلة إن الشخص الوحيد بين كبار المليارديرات الذي يبدو أنه لا يزال منهمكاً في جمع المال بدلا منحه هو «ورين بفيت» صاحب شركة Berkshire Hathaway الاستثمارية وثاني أغنى رجل في العالم. ولكن حتى «بفيت» نفسه يقول إن كل ثروته ستذهب للمنظمات الخيرية بعد وفاته، كما أن زوجته سوزان تبرعت بـ 2.5 مليار دولار قبل وفاتها. وبالطبع لم تقتصر ظاهرة التبرع السخي على كبار رجال الأعمال، بل لحقت بمشاهير الممثلين والفنانين والفنانات، مثل نجمة هوليوود «انجلينا جولي» المشهورة بحماسها لقضايا اللاجئين والتي تبرعت لهم بمبالغ كبيرة. بل انتشرت عدوى التبرع السخي لتتعدى الولايات المتحدة وأوروبا وتصل الى حديثي الثراء في كل من روسيا والصين والهند. من جهة أخرى، لم تسلم ظاهرة التبرع السخي من بعض الاتهامات والجدل. فعلى صعيد الاتهامات، كان لانكشاف بعض عمليات الاختلاس وسوء الادارة المالية في بعض المنظمات الخيرية أثرٌ سيئ على جمهور المتبرعين. وعلى سبيل المثال فقد اضطر الرئيسان السابقان بيل كلينتون وجورج بوش الأب الى طمأنة الأميركيين بأنهما سيشرفان شخصيا على تبرعاتهم لضحايا التسونامي في آسيا وضحايا اعصار كاترينا في الولايات المتحدة. كما أن اسوأ الشبهات تحوم عادة حول تبرعات الشركات وليس الأفراد، خصوصا بعد انهيار شركة «إنرون» الأميركية العملاقة وانكشاف أمر التبرعات السخية التي كان يقدمها مسؤولون كبار من أجل تسهيل تجارتهم الخاصة مع رجال أعمال من خارج الشركة. واتضح أن هذه المنح السخية كانت تأتي من خزينة الشركة بينما يدّعي اصحابها أنها من أموالهم الخاصة. أما على صعيد الجدل، فقد شكك البعض في جدوى التبرعات مهما كانت كبيرة. وفي هذا الصدد يقول مايكل بورتر، استاذ الادارة في كلية التجارة والأعمال في جامعة هارفرد الأميركية، إن الجيل الجديد من الأثرياء من أمثال بيل غيتس يعلمون أن مئات المليارات قد راحت هباء في الماضي لأنها لم تُستغل بحكمة. كما أنهم يعلمون أن الثروات الشخصية مهما كبرت لا تقارن بالامكانيات المالية المتوفرة للدولة وللقطاع الخاص الباحث عن الربح. لذا فيقول بورتر إن الأموال الخاصة التي لا تبحث عن الربح (أي أموال التبرعات) يجب أن تركز على القضايا التي لا تركز عليها الحكومات والشركات، خصوصا أنها تجد نفسها في وضع فريد: أولاً لأنها غير مقيدة بالاعتبارات السياسية والانتخابية التي تتحكم في قرارات السياسيين ـ وثانيا لأنها غير مقيدة بإرضاء المساهمين مثلما هو الحال في الشركات. ويضيف بورتر بأن المنظمات الخيرية يجب أن تستفيد من هذه المرونة وتبتدع استراتيجيات وتقنيات في حل المشاكل، التي لا تجرؤ الحكومات أو الشركات على القيام بها نظرا للقيود المفروضة عليها. وعندما تنجح هذه الحلول، ففي الغالب الأعم ستتبناها الحكومات ـ أو حتى الشركات ـ وتطبقها على نطاق واسع. غير أن المنظمات الخيرية لم تكتسب بعد الخبرة الادارية والكفاءة التي اكتسبها القطاع الخاص. فهي لا تزال خلفه بعشرات السنين. لذا فيطالب بورتر بأن تبدأ المنظمات الخيرية في الاستفادة من الكفاءة الادارية العالية في الشركات الخاصة، وتطبيق اساليب السوق الحر التنافسية من أجل تحقيق اعلى النتائج، حتى وإن كان الهدف هنا ليس الربح المادي.
منقول جريدة الشرق الاوسط
|