مقـامَــــة الـمــــوت
مقـامَــــة الـمــــوت
(( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ))
الموت هاذم اللذات ، ومفرق الجماعات ، ميتم البنين والبنات ، مخرب الديار العامرات ، أسقى النفوس ، مرارة الكؤوس ، وأنزل التيجان من على الرؤوس، نقل أهل القصور إلى القبور ، وسلّ على الأحياء سيفه المنشور ، ألصق الخدود باللحود ، وساوى بين السيد والمسود ، زار الرسل والأنبياء ، وأخذ الأذكياء والأغبياء ، فاجأ أهل الأفراح بالأتراح ، ونادى فيهم الرواح الرواح ، كم من وجه بكفه لطمه، وكم من رأس بفأسه حطّمه ، يأخذ الطفل وفمه في ثدي أمِّه ، ويخنق النائم ورأسه على كمِّه ، ينـزل الفارس من على ظهر الفرس ، ويقتلع الغارس وما غرس ، يخلع الوزير من الوزارة ، ويحطّ الأمير من الإمارة ، إذا اكتمل الشاب ، وماس في الثياب ، وصار قوي الجناب ، يُرجى ويُهاب، عفّر أنفه في التراب ، يدوس ذا البأس الشديد ، والرأي السديد ، ويبطح كل بطل صنديد ، ولو كان خالد بن الوليد ، أو هارون الرشيد ، يسحب الملوك من العروش ، ويركب الجيوش على النعوش ، أسكت خطباء المنابر ، وأذهل حملة المحابر ، وشتت أهل الدفاتر ، وطرح الأحياء في المقابر ، كسر ظهور الأكاسره ، قصّر آمال القياصره، زلزل أساس ساسان ، وما سلم منه سليمان ، وما نجا منه قحطان وعدنان، صبّح ثمود وعاد ، وخرّب دار شداد وما شاد ، وهدم إرم ذات العماد ، التي لم يخلق مثلها في البلاد، لا يترك السلاطين ، حتى يوسدهم الطين ، لا تظن أنك منه ناج ، ولو سكنت الأبراج .
الموت ينادي كل صباح : الرواح الرواح ، ويصيح كل مساء : يا حسرة على الأحياء ، ويقول للناس : لِدوا للموت وابنوا للخراب ، فكلكم يصير إلى ذهاب ، يا من أعجبه شبابه ، وألهته ثيابه ، وأحاط به حرسُه وحجابُه ، أنسيت الموت وقد وصلك ركابُه ، يا من أشغله السكن ، وحب الوطن ، وأمن المحن ، كأنك بالموت زارك ، وهدم دارك .
الموت كأس يدور على الأحياء ، لابد أن يشربه أبناء حواء ، الموت ليس له موعد مناسب ، فهو يأتي القاعد والماشي والراكب ، في ليلة الزفاف ، إذا اجتمع الأضياف ، يقدم الموت بحشوده ، ويهجم بجنوده ، يأخذ العريس أو العروس ، لأن مهمته قطف النفوس ، يهنّأ الإنسان بالإمارة ، ويبارك له بالوزارة ، ثم يشنّ عليه الموت الغارة .
يولد المولود ، ويعود المفقود ، ثم يفجؤ الموت الجميع بروعته، فتمتزج بسمة المحب بدمعته ، يكتمل الاجتماع ، ويلتقي الأحباب من كل البقاع ، فإذا تمت السعاده، وكل قلب بلغ ما أراده ، وصل الموت ففرق الجمع ، وأسبل الدمع .
وقف أحد الصالحين على المقابر ، ودمعه يتناثر ، فقال : يا موت ماذا فعلت بالأحباب ؟ وماذا صنعت بالأصحاب ؟ ثم أجاب نفسه بنفسه ، فقال : يقول الموت : أكلت الحدقتين ، وأفنيت العينين ، ونهشت الشفتين ، وقطعت الأذنين، وفصلت الكفين من الرسغين ، والرسغين من الساعدين ، والساعدين من العضدين ، والعضدين من الكتفين ، وفصلت القدمين من الكعبين ، والكعبين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الوركين .
إذا رأيت قصراً مشيدا ، وملكاً عتيدا ، وبأساً شديدا ، فتذكر الموت فإذا القصر تراب ، والملك خراب ، والبأس سراب .
إذا رأيت امرأة حسناء ، أو حديقة غنّاء ، أو روضة فيحاء ، فتذكر الموت فإذا الحسن مسلوب ، والجمال منهوب .
فضح الموت الدنيا ، فلم يدع لذي لب فرحا ، ولكن أين من صحا ، وأصلح فصار مفلحا .
ويل لمن أشغله ماله ، وألهاه جماله ، وصده عياله . متى الإفاقة يا من بحب الدنيا مخمور ، وببهرجها مغرور ، أما تذكر إذا بعثر ما في القبور وحُصِّل ما في الصدور .
أين من رفرفت عليهم الرايات ، ورفعت لهم العلامات ، وأقيمت لهم الحفلات ، وانعقدت لهم المهرجانات .
أين من ولّى وعزل ، وأين من ظلم وأين من عدل ، وأين من سجن وجلد وقتل ، أين من حفت به الجنود ، واجتمعت عليه الحشود ، وخفقت على رأسه البنود ، أين من دارت عليه الكؤوس ، وانخلعت من هيبته النفوس ، وطارت بأوامره الرؤوس ، أين من جمع ومنع ، ووصل وقطع ، واغتنى وافتقر ، وهزم وانتصر .
بعض السلف ذكر الموت فخارت قواه ، وصاح أوّاه، وبعضهم كاد أن يطير لبه ، وأن يتفطر قلبه .
إذا رأيت الإخوان والجيران والخلان ، فتذكر كل من عليها فان .
إذا أبصرت البستان والأفنان والأغصان ، فتذكر كل من عليها فان .
إذا شاهدت القصور والدور والحبور والسرور فتذكر يوم يبعثر ما في القبور ، ويحصل ما في الصدور .
الله سمّى الموت مصيبه ، وأنت عنه في غيبه ، أخذ القوي والضعيف ، والوضيع والشريف ، والغالب والمغلوب ، والسالب والمسلوب ، قبر الغني جوار قبر الفقير ، وقبر المأمور بجانب قبر الأمير .
الموت مباغت لا يستأذن ، ومهاجم لا يُؤمَن ، لا يترك شاباً ليكتمل شبابه ، ولا صاحباً ليتمتع به أصحابه ، ولا حبيباً يستأنس به أحبابه ، يفصّل الثوب فيأخذ صاحبه قبل أن يلبس ، ويبنى المجلس فيخترم الموت الباني قبل أن يجلس ، تزف المرأة لزوجها فيهاجمه الموت ليلة الزواج ، يزرع الزارع فيختلسه الموت قبل النتاج ، الموت له صور وأشكال ، ومشاهد وأحوال ، مرة يقتل بسيف أو برمح ، أو داء أو جرح ، أو بعرق ينبض ، أو بعضو يمرض ، أو بحرب هائله ، أو مجاعة قاتله ، المهم أنه لابد منه ، ولا محيص عنه ] قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [ يصبّحكم أو يمسّيكم ، ] أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [ ، أو دونكم جنود مؤيّده ، كل شيء هالك إلا وجهه الكريم ، وكل حي فانٍ إلا الحي القيوم .
الموت يسقط الطيور ، ويخطف الصقور ، ويلتهم النسور ، يصيد الموت كل عائمه ، ويدرك كل هائمه ، ويجتاح كل سائمه ، يزحف على الحيوانات ، والعجماوات ، والحشرات ، يدخل القصور والأكواخ ، ويصرع الأطفال والأشياخ ، فسبحان من خلق الموت آية ، وجعله نهاية ، وصيره لكل حي غاية . ] إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [
زار الرسل والأنبياء ، ووفد على الأصفياء والأولياء ، وطاف على الحكماء والعلماء والأدباء والشعراء ، فسقى الجميع بكأسه ، وهشم الكل بفأسه ، فلا صاحب القصر نجا ، ولا محب الدنيا عمّر ولو رجا ، ولا الكاره له سلم منه ولو ذمّه وهجا ، ] وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ [
|